موضوع غلاف العدد الاخير
العدد السابع والخمسين
مواضيع العدد الاخير
  •  القائمة البريدية  
  •  سؤال شيبوب 
  •     فتاوى     
معا نتطور

وَبـــاءُ الإلغــــــــاء

   بتاريخ : 25/07/2010 -- العدد الخامس والخمسين -- معا نتطور
  الكاتب : محمد ابراهيم
وَبـــاءُ الإلغــــــــاء

  

أخطر ما يواجه المجتمعات هو الأوبئة، وهي عادة تبدأ بأشخاص معدودين ثم تنتشر انتشار النار في الهشيم، وغالبا لا تستطيع الحكومات وأجهزتها الصحية السيطرة بسرعة على مثل هذه الأمراض إلا بعد أن تُهلك الكثير، ومن هنا جاءت خطورتها فهي ليست مرضا عاديا بل هي وباء ينتشر انتشار الماء والرياح فيشمل الجميع.

 وفي عالم الأخلاق والسلوك هناك أوبئة تصيب المجتمعات كالأمراض تماماً تنتشر بين الناس بسرعة حتى تصبح ثقافة سيئة تميز شعبا عن آخر أو مجتمعا عن آخر.

وخطورة الأوبئة في عالم الأخلاق اشد من خطورتها في عالم الأمراض، لسبب بسيط.. وهو أن المرض يهرب منه الجميع ويبحثون عن الوقاية منه.. وإذا أصيبوا به يفعلون المستحيل للحصول على العلاج كما إن المرض أمر ظاهر للعيان لا يخفى وخاصة إذا كان وبائياً.

بينما في عالم الأخلاق والسلوك يكون الوباء خافياً لا يلحظه إلا قلة نادرة في المجتمع ويبقى في عالم الخفاء حتى بعد أن يستشري بين الناس، ولكن خفاءَه أو بالأصح ( إخفاؤه ) يكون عن عمد، ويصبح ثقافة يستأنس بها الجميع ويمارسونها دون تحفظ، وزيادة على  ذلك لا يعترف بوجوده أحد، وإذا اقر بعضهم بوجوده، فهم ينسبونه إلى خصومهم بينما هم بريئون منه.

ومن الأخلاق السلبية التي تحولت في مجتمعنا إلى وباء لا تنكره الحواس هو خلق (الإلغاء)، إلغاء ايجابيات الآخرين وجهودهم وثقافتهم وآرائهم وانجازاتهم، وأخيرا إلغاءهم من الوجود إن أمكن.

والذي يصاب بهذا الوباء لا يعترف إلا برأيه ولا يصدق إلا نفسه، ولا يقر بجهد أحد إلا ما بذله هو، لذلك يحاول دائما إبراز نفسه وتغطية جهود الآخرين.

وقد تحول هذا الخلق السيئ إلى ثقافة عند الفرد العراقي يمارسها يوميا بغض النظر عن دينه أو مذهبه ودرجة إيمانه أو عدمها وبغض النظر عن ثقافته وموقعه الاجتماعي، ولعل سبب ذلك يعود إلى ما وصل إليه الفرد العراقي من حالة الإحباط وشبه اليقين بأن الإصلاح غير ممكن، وان الجهود تضيع هباء في هذا البلد وان لا شيء ينفع، وقد تشكلت هذه القناعة عبر عشرات السنين من القهر والظلم وامتهان كرامة الإنسان لخدمة شعارات يتبين فيما بعد أنها كاذبة و (رجعية).

وأوضح ما يتمثل هذا الوباء في سلوك الحكومات التي تعاقبت على حكم هذا البلد طيلة قرن من عمر البشرية، تحوّل فيها الإنسان خلال القرن نفسه ولكن في بلاد أخرى نحو الأفضل. في حين بقينا نحن نهتف لحكومتنا إلى أن تسقط ثم نكتشف من الحكومة التي تليها أن الأولى كانت رجعية وظالمة وعميلة للمستعمر، ونعود لدورة الهتاف في الطبيعة.. للحكومة الجديدة.. حتى إذا انتهت صلاحيتها وسقطت، أخبرتنا خليفتها أنها كانت رجعية وظالمة وعميلة للمستعمر!! وهكذا..

والغريب أن هذا الذي يحدث في بلدنا (وبلاد أخرى شبيهة من دول العالم الثالث عشر) لا يتعظ منه احد، بحيث إن عملية الإلغاء تشتد بتقدم الزمن في الكم والنوع عن سابقتها ويتفنن اللاحق في إلغاء السابق، ولا شك أن هذا الخلق الجهنمي (نسبة لأصحاب جهنم فكلما دخلت امة لعنت أختها) يجعل الحياة أشبه بجهنم في البلد الذي ينتشر فيه هذا الوباء. فلا يعود الفرد يشعر بالانتماء ولا يضحي أو يبذل ولماذا يفعل ذلك إذا كانت كل جهوده ستلغى يوما ما؟!.

وإذا نزلنا إلى مستوى المؤسسات والدوائر نلاحظ وباء الإلغاء مع كل مدير جديد يأتي إلى الدائرة، فيتفنن في إخفاء آثار المدير الذي سبقه، ويتعامل مع المؤسسة وكأنه فاتح صنديد قد خلصها من براثن  كافر.

فلا تسمعه يذكر انجازات من سبقه، حتى وان كان هو الذي يقطف ثمارها، ويشعر بالغضب والاشمئزاز إذا ذكر المدير السابق عنده بخير، وربما يتمادى فيطال بعملية الإلغاء الكرسي الذي كان يجلس عليه سلفه.. والمكتب.. والستائر، فلا يُبقي شيئاً يُذكِّر به الآخرين.

   وقد أصاب وباء الإلغاء عندنا المثقفين من أساتذة وأطباء ومهندسين وعلماء و.. و.. فلا تكاد تجد احدهم يرضى عن الآخر، بل يتهمه وبكل سهولة وراحة ضمير بأنه (حمار) ولا يفهم شيئاً، وقد أصبح لقب (الحمار) في مجتمعنا أسهل كلمة لإلغاء الخصم مهما كان مركزه وموقعه، ونلفت الانتباه إلى أن هذه الكلمة هي في الوقت نفسه ظلم وعدوان وإلغاء لشخصية هذا الحيوان المفيد، فتأمل كيف انتشر هذا الوباء ليطال حتى الحيوان دون مبرر.

وإذا دققت أكثر على مستوى الأسرة ستكتشف هذا الوباء عند (الحماة) التي تلغي دور (كنتها) وتعتبرها سارقة لابنها، وبالمقابل ستجد (الكنّة) تريد أيضاً إلغاء حماتها وتاريخها في الأسرة وتعتبرها الشيطان الأكبر الذي يجب جهاده.

إن ثقافة الإلغاء موجودة في كل المجتمعات كالأمراض فلا يخلو بلد منها، ولكن الفرق بيننا وبين الآخرين أن خلق الإلغاء أصبح وباء ينخر في مجتمعاتنا العربية، وقد تركز هذا الوباء وظهر بأبشع صوره في بلدنا خاصة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ونتيجة هذا الوباء أن الجهد ضائع، والعمل غير مقدر، والمجتهد محارب، والمبدع مطارد الخ.. من العبارات السلبية التي لا تدع الفرد متعلقا بوطنه، بل يتحين الفرص ليغادر البلد ويعيش مهاجراً يخدم الغرباء .. لعل وعسى أن يجد ما افتقده فوق أرضه التي ولد عليها.

وكما أن الوباء ينحسر إذا توفر الدواء الصحيح والمناخ الصحيح، فإن وباء الإلغاء يمكن محاصرته وتضييق الخناق عليه، صحيح انه لن يُلغى بالكامل فهذا خلاف سنن الحياة ولكن المجتمع الناجح هو الذي يجعل هذا الخلق في أضيق نطاق، بحيث يستحي حامله من إظهاره كحامل الايدز.

وإذا راقبنا حال الأمم المتحضرة نجد أنها تقدمت وارتقت عندما فطنت إلى هذا الأمر، بحيث أصبح اللاحق يكمل عمل السابق.. ولا يعود إلى نقطة الصفر من جديد لينسب كل الفضل إليه ولا يلغي جهد من سبقه وانجازه.. بل نجد أكثر من هذا أن الشعوب تفتخر بمآثر حكوماتها ورجالها السابقين وعلماءها وعظماءها.

ولسنا أقل منهم، كل ما هو مطلوب إرادة للتغيير، وأن نقاوم هذا الوباء بكل ما أوتينا من قوة.

علينا أن نسعى لنشر ثقافة الإنصاف وذكر فضائل الآخرين .. ونعلم أبناءنا ومن حولنا أن اللص فقط هو الذي يتصيد الثغرات عند الناس ليسرق جهودهم وثمرات عرقهم وتعبهم.

لقد نبه علماؤنا رحمهم الله إلى أمور دقيقة في هذا المجال حتى على مستوى الكلمة فقالوا "من بركة العلم نسبته لقائله" بمعنى أن علمك تزيد بركته ونفعه إذا اقتبست كلمة من الآخرين ولم تنسبها لنفسك بل قلت هذا من قول فلان، وهذه الفكرة استفدتها من فلان، وهذا العمل نبهني إليه فلان.. بغض النظر عمن يكون هذا الفلان .. خصم أو صديق.

ولقد عايشت أفرادا من (الأساتذة) يستنكفون أن يقولوا إن هذا من كلام فلان، ظنا منهم أن هذا يقلل من شأنهم أمام الآخرين باعتبار أنه لا يجوز أن يكون أحد أفضل منهم في الإبداع والتفكير وخاصة إذا كان اقل منهم شهادة وعلما.

إن وباء الإلغاء يمسخ الفرد المصاب إلى لص يعيش على جهود الآخرين.. وكاذب لا يحترمه من يعلم حقيقته.

وإذا شاع هذا الخلق في مجتمع فلن يتقدم خطوة واحدة نحو الأفضل .. لأن الهدم سيكون مستمراً لكل بناء، وتخيل مدينة تُبنى فيها أفضل العمارات وكلما جاء حاكم جديد لها هدم البناء وانشأ مكانه بناء جديدا! فكيف يمكن أن تستقيم أمورها وتستقر.

فأحذر من هذا الوباء .. وعوِّد نفسك أن تبدأ من حيث انتهى العقلاء وكن أحدهم.. ليكمل بناءك من يأتي بعدك.


التعليقات
لا توجد تعليقات
(E-mail)

اكتب الحروف التي في الصورة.