- القائمة البريدية
- سؤال شيبوب
- فتاوى
السجون في العراق .. القانون لا يحمي (المعتقلين)

اعتقال عشوائي"، واعترافات "خيالية أو غير حقيقة"، واحتجاز لسنوات دون محاكمات، وزخم في السجون وتعذيب ... ذاتها هي وسائل عراق النظام السابق في العراق الجديد، ويبدو أن أداة السلطة في كلا العهدين توحدت لتعميق سيادتها على الجميع دون معارضة، ولا يزال ملف المعتقلين لم يحسم في العراق الجديد، برغم مرور أكثر من سبع سنوات على تفاقم المشكلة.
كانت الدولة في عهد النظام السابق بيد حزب واحد يسيطر فيها على جميع المفاصل، وكانت السجون منتشرة حيث وجدت المعارضة أو وجدت الأعمال الإجرامية، ومن السجون ما كان علنياً، وأخرى سرية ضاع في غياهبها آلاف الأشخاص من معارضين ومجرمين لا تزال عوائلهم تبحث عنهم حتى اليوم، وهذه السجون لم تكن خالية من وسائل تعذيب منوعة لانتزاع الاعترافات، ولم يراعَ في معظمها حقاً لإنسان.
وبعد الاحتلال الأميركي للعراق فتحت هذه السجون، وهرب منها السجناء، وحلت محلها سجون قوات الاحتلال الأميركي لتعتقل يومياً العشرات، معظمهم بشكل عشوائي دون استناد لأي قانون.
وفي العامين (2003 و2004) اخذ اعتقال قوات الاحتلال للعراقيين يتصاعد في ظل غياب سلطة وسجون عراقية ذات سيادة على الأرض والمواطن، وكان سجن أبي غريب مثالاً يذكر في كل مناسبة في العالم تتحدث عن سجناء "غير مدانين يعذبون بشكل مهين وتخرق حقوقهم" المعترف بها حتى في القوانين الدولية.
وبهذا السلوك استنت الحكومات العراقية المتأسسة حديثا في عهدي إياد علاوي وإبراهيم الجعفري عامي (2004 و2005)، وكان الاعتقال مستمراً يصل ذروته مع كل عملية أمنية جارية وفي مناطق دون أخرى.
ففي عمليتي (البرق والرعد) اللتين أطلقهما الجعفري أودع آلاف المعتقلين في سجون وزارة الداخلية وغيرها، حتى انه في أسبوع واحد اعتقل أكثر من (700) شخص، معظمهم ـ إن لم يكن الجميع ـ دخل المعتقل دون مذكرة اعتقال أو تهمة ثابتة.
وآلاف من المعتقلين لم يكن له معتقل في ذلك الوقت، وكان سجنه غير معلن، ولا يزال البحث عنه مستمراً، وهم في حكم المفقود اليوم، وتتمنى عوائلهم أن يكونوا محتجزين في سجون سرية يُكشف عنها بعد حين تكراراً لتجربة سجن الجادرية وفضيحة التعذيب فيه بدلاً من أن يكونوا في مقابر جماعية.
ومعتقلات أخرى سرية كانت من تأسيس وإدارة مليشيات متنفذة أطلق لها عنان الاعتقال والمحاكمة في ذلك الوقت، وضمت آلاف المواطنين العراقيين، معظمهم ضباط من الجيش السابق ومهنيون ومدراء عاميين وأساتذة وخبراء وغيرهم كثير، ويؤكد ذلك تقرير للجنة حقوق الإنسان في المنظمة العراقية للمتابعة والرصد الذي أكد: "وجود (34) سجناً خاصاً تابعاً لميليشيات تنتشر في العراق، ولا تخضع الا لسلطة الميليشيات، وهي تضم ما بين (2600) إلى (3500) معتقل عراقي".
ووفق تصريحات احد مسؤولي حقوق الإنسان في ديوان رئاسة الجمهورية لـ"الرائد":فقد استخدمت مختلف أنواع التعذيب في عهد إبراهيم الجعفري، منها تثقيب الأجساد "بالدريل الكهربائي"، والصعق بالتيارات الكهربائية، والجلد بـ "كيبلات كهربائية" سميكة، والضرب الشديد على الوجه، والحرق، ورمي الأجساد بالماء الساخن، والتعليق بالحبال وغيرها من وسائل التعذيب".
ومع ازدياد العنف الطائفي في العراق نهايات 2005 وبدايات 2006 بدأ الاتجاه بتحويل المعتقلين إلى سجون رسمية معروفة المكان والمسمى، وبفعل تدخل أميركي متأخر وجزئي اتخذت بعض الإجراءات صبغة قانونية داخل المعتقلات، وإن كانت أعداد المعتقلين قد تجاوزت المئة ألف معتقل لدى القوات الأميركية والعراقية.
هذه الإجراءات لم تحد بشكل ملحوظ من الانتهاكات داخل السجون العراقية خصوصا، أما السجون الأميركية فهي تتجه اليوم إلى إخلاء سجونها من جميع المعتقلين العراقيين، وذلك بتحويلهم إلى سجون الحكومة العراقية.
وبين الفترة والأخرى تخرج "فضيحة" جديدة لسجن جديد سري أو علني، وفي شهر واحد من العام الحالي 2010 شهد العراق فضيحة تعذيب "مروعة" بحق سجناء في سجن مطار المثنى بالموصل، تلاها بعد أيام فضية كشفت عنها صحيفة لوس انجلوس تايمز الأميركية عن وجود معتقل سري في بغداد يضم عشرات المعتقلين، بينهم ضباط وطيارون في الجيش العراقي السابق.
وعلى مدار أكثر من سبع سنوات لا تزال سياسة السلطة العراقية وقوات الاحتلال هي ذاتها في التعامل مع ملف المعتقلين، وكثيرة هي المشاكل التي كانت ولا تزال تواجه المعتقل العراقي، كاعتقاله بشكل عشوائي، وتأخير التحقيق معه، وتأخير إصدار حكم بحقه، والتأخر بإطلاق سراحه، فضلاً عن الضغط النفسي والتعذيب الجسدي الذي يواجهه في المعتقل.
المعتقل السابق (س، س / 25 سنة) اعتقلته قوة أميركية عراقية مشتركة من احد مناطق بغداد، ونقل إلى وكالة التحقيقات والأمن الوطني في وزارة الداخلية نهاية عام 2008، تحدث لـ"الرائد" عن طبيعة التحقيقات التي أجراها معه ضباط في الوكالة، وقال: "قام عدد من الضباط بضربي ضرباً مبرحاً، وكانوا يحضروننا للتحقيقات بعد الساعة الثامنة ليلاً وحتى الفجر، وخلال التحقيق تعصب أعيني وأُصعَق بالعصى الكهربائية في مناطق مختلفة من جسمي، وحتى في أعضائي التناسلية، مع ضربي "بكيبلات" لا تزال أثارها حتى اليوم على جسدي".
وبرغم إحالة القاضي أوراق (س، س) إلى سجن معسكر العدالة في منطقة الكاظمية ببغداد بعد أسبوع من اعتقاله، إلا أن (س، س) ظل لدى وكالة التحقيقات والأمن الوطني لثلاثة اشهر يعذب فيها بين الفترة والأخرى لانتزاع الاعترافات منه بالقوة، وكما يقول لـ "الرائد" فإن (س، س) بسبب شدة التعذيب كان يفكر بالاعتراف بأنه قتل أشخاصاً من أقاربه، في حين أن الأشخاص الذين أراد الاعتراف بقتلهم هم في الحقيقة أحياء وذلك ليتخلص من التعذيب أولاً، ثم ليطلق القاضي صراحة بعد أن يجد تصريحاته غير دقيقة. وبقي (س، س) في المعتقل لأكثر من سبعة أشهر، ولم يخرج من المعتقل إلا بعد دفعه لمبلغ (2000 $).
هكذا حال آلاف المعتقلين، وإذا كان (س، س) قد أطلق سراحه بعد سبعة أشهر على الاعتقال، فإن معتقلين لا يزالون محتجزين منذ سبع سنوات، كحال (أ، ع) الذي يقول عنه أخوه لـ "الرائد" انه اعتقل منذ العام 2005 وحتى اليوم، وتعوق اللجان التحقيقية والقضائية الانتهاء من النظر بملفاته وإصدار حكم نهائي بحقه.
ويوجد حالياً في العراق آلاف المعتقلين، والمعتقلات موجودة في أكثر من مكان ولأكثر من جهة، فهناك معتقلات تابعة لوزارة الدفاع (أماكن الاحتجاز في الوحدات العسكرية)، وهناك معتقلات تابعة لوزارة الداخلية، ومعتقلات تابعة لوزارة العدل، وأخرى تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية (سجون الأحداث)، كما أن هناك معتقلات تابعة لأجهزة أمنية غير دستورية كجهاز مكافحة الإرهاب الذي يعتقل بأي وقت أي شخص بأي تهمة يريد أو بدون تهمة، ويودعهم في سجون خاصة حتى الانتهاء من النظر بملفاتهم.
وبحسب مصادر في وزارة العدل طلبت عدم الكشف عن اسمها، في تصريحات لـ "الرائد"، فإن معظم هذه السجون تكون طاقتها الاستيعابية غير قادرة على استقبال معتقلين آخرين، ويقدِّر عدد المعتقلين في السجون العراقية أكثر من 23 ألف معتقل.
كما وتعاني السجون حالياً من ازدياد فترة الاحتجاز لأشهر طويلة دون محاكمة، ولوجود الكثير من المعتقلين داخل المعتقلات ممن لم تثبت إدانتهم، فضلاً عن الإعادة المستمرة للتحقيقات دون إنهاء ملفات المعتقلين، خصوصا القرارات التي يصدرها قضاة اليوم بإعادة تحقيق معظم ملفات معتقلي السنوات 2005 و2006 وفق ما صرحت به مصادر خاصة لـ"الرائد"، وأكدت هذه المصادر: "ان معظم الاعترافات المسجلة على المعتقلين هي خيالية أو غير صحيحة أو مفبركة".
(ع، ح) احد معتقلي سجن العدالة (14 سنة) دخل المعتقل فجأة بتهمة تفجير جسر في بغداد، وحين سألت (ع، ح) من قبل ضباط التحقيقات عن طريقة تفجيره للجسر، قال لهم: "أرسلني أبي لشراء مسامير، فاشتريت بالنقود بعض الحلوى والمثلجات، ثم ذهبت للجسر واقتلعت مساميره فسقط الجسر وأتيت لأبي بالمسامير!!" .. هذا نموذج من اعترافات حقيقية لمعتقلين عراقيين.
وأكثر ما يواجه المعتقل بحسب المصادر الخاصة لـ"الرائد" موضوع دفع الفدية لتسهيل الخروج من المعتقل، "وفي حال قرر القاضي لإطلاق سراح المتهم، فإن ضباط السجن يمنعونه من الخروج ويخيرون المعتقل بين دفع مبلغ لا يقل عن (2000$) أو اتهامه بدعوى جديدة حتى تطول مدة بقائه في المعتقل"، بحسب المصادر.
يقول المعتقل (أ، ب) المعتقل السابق في أحد سجون بغداد لـ "الرائد": كان هناك ضابط يقول لنا صراحة وعلناً وأمام الكثير منا اننا ثروة حقيقية للضباط لا يمكن التفريط بها، وانه لا يمكن لأي معتقل منا التفكير في الخروج ما لم يقدم فدية مالية"، بحسب قوله.
ويضيف المعتقل: "إذا صدر قرار إطلاق سراح المعتقل ودفع الدية للضباط، ثم قدمت شكوى ضد المعتقل، فإن ضباط المعتقل يقومون بطرد المشتكي الجديد التزاماً منهم بإطلاق سراح المعتقل بعد دفه الدية المالية".
ويتعلق استمرار ملف المعتقلين وبقائه على حاله بعد أكثر من سبع سنوات على احتلال العراق بعوامل عدة، لخصها لـ "الرائد" الصحفي العراقي سامي خليل بقوله: "هناك بعد سياسي لموضوع المعتقلين وهو استخدامهم كورقة ضغط سياسية ولنفي الخصوم السياسيين وإسكات صوت المعارض، وهناك بعد اجتماعي على ما يبدو هدفه الإضرار بمكونات معينة في المجتمع العراقي، وهناك بعد اقتصادي مادي يتعلق بالثروات التي يجنيها ضباط الداخلية والدفاع من المعتقلين مقابل إطلاق سراحهم، فضلاً عن عوامل تتعلق باستتباب الأمن وغيرها".
ويشير "خليل" إلى أن أخطر أسباب استمرار الاعتقال هو جعل هذا الملف أداة لإسكات الصوت السياسي المعارض، وهذا السبب كما يقول خليل: "سيعمق الدكتاتورية في العراق ويعيد العراق إلى نقطة الصفر، ولن تكون هناك ضمانات لقيام أي حرية، سواء حرية الرأي أو حرية التعبير أو حرية الانتماء للتنظيم السياسي وغيرها".
ويتحدث الخبير القانوني إسماعيل غازي لـ"الرائد" عن الوضع القانوني لهذه السجون بقوله: "بحسب قانون إدارة السجون العراقية، فإنه يجب أن تدار جميع السجون من قبل وزارة العدل، وهذا واقع غير موجود".
ويضيف غازي: "من المفترض أيضاً ان تصدر مذكرات اعتقال قبل أن يعتقل أي شخص، وهذا ما لا يحدث أيضا، ومعظم المعتقلين يعتقلون ثم تصدر بحقهم مذكرة اعتقال وترفق في ملفاتهم، وآخرها ما حدث قبل أشهر قريبة عندما اعتقل شخص من إحدى مدن الكرخ ببغداد ولم تصدر به مذكرة اعتقال إلاّ بعد مرور 45 يوماً على احتجازه".
ويشير غازي إلى "وجود احتجاز غير قانوني للمعتقلين من خلال احتجازهم دون تحقيق أو محاكمة لأكثر من 48 ساعة حددها القانون العراقي، إلا أن هذه المادة القانونية الأكثر خرقا في العراق اليوم"، بحسب قول غازي.
ويؤكد الخبير القانوني إسماعيل على ضرورة التزام تطبيق القانون مع المعتقلين، ويجد الحل كما يقول لـ"الرائد": "بتأسيس أكبر عدد ممكن من الهيئات القضائية ونشرها في السجون للتعجيل في النظر بملفات المعتقلين وحسمها، وأن لا يكون هناك أي اعتقال بعد اليوم إلاّ بمذكرة اعتقال، وأن تشكل لجان تحقيقية للنظر في قضايا التعذيب والسجون السرية ومحاسبة جميع المقصرين وبشكل صارم حتى لا يفكر احدهم بتكرار التجربة مرة أخرى".
ويرى مراقبون أن هناك خطوات ممكن البدء بها لإنهاء ملف المعتقلين، أقربها للتطبيق هي قانون العفو العام الذي سيمكن من إطلاق سراح آلاف المعتقلين من السجون.