- القائمة البريدية
- سؤال شيبوب
- فتاوى
التفويض في مفوضية الانتخابات

التفويض في مفوضية الانتخابات
ضوء على أداء مفوضية الانتخابات خلال الفترة المنصرمة
(ان المأزق الذي يعيشه العراق هو نتيجة عدم نضوج سياسي للساسة العراقيين)، بهذه الكلمات علق معهد جلوبال اينسايت الغربي للدراسات العالمية في إحدى أبحاثه على أسباب التدهور السياسي العراقي بعد الاحتلال ،عدم النضوج السياسي هذا ربطه المراقبون للشأن العراقي مع محاولة السيطرة من قبل بعض الساسة على عمل أهم مؤسسة تعنى ببناء النظام السياسي العراقي الا وهي المفوضية العليا للمستقلة للانتخابات بالعراق، وذلك عبر محاولة تجيير هذه المؤسسة لصالحهم قدر الإمكان،وبالتالي المفوضية جعلت الحالة العراقية الخاصة منها غير مفوضة بعملها بسبب التجاذبات السياسية الحاصلة، وفي ملفنا هذا نحاول تسليط شيء من الضوء على أداء مفوضية الانتخابات خلال الفترة المنصرمة.بداية المشوار...
عقب الاحتلال وفي عام 2004 أصدر الحاكم المدني الأمريكي السابق في العراق بول بريمر القرار رقم 92 بتشكيل مفوضية عليا للانتخابات في العراق، تشرف عليها الأمم المتحدة، وتضم ثمانية مفوضين عراقيين وآخر يعمل مع الأمم المتحدة، ومنح القرار المفوضية المذكورة صلاحيات كبيرة، فأشرفت على إجراء مرحلتين من الانتخابات النيابية العامة في البلاد الأولى جرت في منتصف كانون الثاني عام 2005، وتم بموجبها تشكيل جمعية وطنية انبثقت عنها الحكومة الانتقالية التي رأسها رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، والثانية جرت في منتصف كانون الأول من العام ذاته، وتم وفقها تشكيل البرلمان السابق الذي انبثقت عنه حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وبعد انتهاء الانتخابات انحلت المفوضية رسميا وفق الدستور العراقي ووفق قانونها الذي ينص على اعتبارها منحلة بعد استكمالها الانتخابات النيابية، لكن البرلمان العراقي عاد وأصدر القرار رقم 7 لسنة 2007 بتشكيل مفوضية عراقية جديدة للانتخابات، تتمثل فيها جميع مكونات المجتمع على أن يكون أعضائها من المستقلين عن الأحزاب، وتم اختيار تسعة مرشحين من بين (1333) مرشحا لها بطريقة التصويت على كل عضو بشكل مستقل، ويكون عمل هذه المفوضية بدورة تستمر لمدة خمسة سنوات وينتهي عملها في عام 2012 .
هيكلية المفوضية...
تتألف المفوضية من مجلس المفوضين والإدارة الانتخابية ويتكون المجلس من (9) مفوضين يترأسهم واحد كل سنة بالانتخاب، وممثل عن الفريق الدولي للمساعدة الانتخابية في بعثة الأمم المتحدة ليس له حق التصويت، ويعتبر مجلس المفوضين هو الجانب التشريعي للمفوضية، والإدارة الانتخابية تمثل الجانب التنفيذي والإداري فيها. وتم اختيار المفوضين التسعة بعملية اشرف عليها مجلس النواب،حيث تم انتخاب، فرج الحيدري وهو كردي فيلي عضو المجلس الوطني السابق رئيسا للمفوضية، وأسامة عبد المجيد العاني نائبا للرئيس وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الإدارة والاقتصاد ومدير دائرة البحث العلمي والتطوير في وزارة التعليم العالي، إضافة إلى اختيار كريم محمود رشيد التميمي الذي انتخب رئيسا للإدارة الانتخابية وهو حاصل على بكالوريوس رياضيات ويشغل مدير دائرة انتخابات الرصافة في بغداد، أما الأعضاء الستة الآخرون في مجلس مفوضية الانتخابات فهم: أمل أنور بيرقدار عضو الجمعية الوطنية السابقة ومديرة مفوضة بالمفوضية بكالوريوس هندسة ومدير مفوض بالمفوضية، وحمدية الحسيني عضو مجلس المفوضية السابقة .. واياد هلال حسين الكناني بكالوريوس علوم سياسية وهو ورئيس قسم المهارات الانتخابية في المفوضية السابقة.. وسردار عبد الكريم زيد بكي وهو مستشار في رئاسة حكومة إقليم كردستان ومدير عام في وزارة الثقافة في الإقليم .. وسعد عبد العزيز الراوي بكالوريوس قانون ومدير الدائرة الانتخابية في الانبار.. وقاسم حسن ساجت العبودي بكالوريوس قانون وقاضي في مجلس القضاء. وتشمل المفوضية على (19) مكتبا تغطي محافظات العراق جميعا منها (مكتبان في بغداد) فضلاً عن مكتب إقليم كردستان.
نتاج صراع...
يرى المراقبون أن عمل مفوضية الانتخابات خلال الفترة السابقة كان نتاج صراع الكتل السياسية المتنافسة، ولقد حاولت هذه المؤسسة النأي بنفسها عن التجاذب السياسي الذي يسبق ويعقب كل عملية انتخابية، إلا أن الأمر كان اكبر من إرادتها في أحيان كثيرة، وذلك بسبب سيطرة بعض الجهات النافذة بالحكومة على كثير من المؤسسات الرسمية التي لها صلة وثيقة بعمل المفوضية، بل في أحيان كثيرة لا يمكن أن تتخذ المفوضية قراراً دون الرجوع لهذه المؤسسات، وليس آخرها ما سمي بهيئة المساءلة والعدالة التي حلت برلمانيا وأعيد تشكيلها حكومياً من اجل ابتزاز أطراف منافسة سياسياً بملفات البعث والإرهاب وبالتالي استئصالهم من قبة البرلمان القادم.
استياء شعبي....!
الشارع العراقي من جهته لم يتعاطف كثيراً مع عمل المفوضية عندما ذكرت غداة الانتخابات البرلمانية انها ستعلن النتائج في غضون أسبوعين، لكن التأخير الذي وقعت به بسبب التدخلات الكثيرة الحاصلة في عملها جعل من تحقيق ما وعدت به المفوضية أمراً مستحيلاً ،مما وضعها في قفص الاتهام مرتين، الأول من قبل المواطن العراقي الذي كان يرى التذبذب في عملية الإعلان والتغير المستمر فيه عملية سياسية وليست فنية، الأمر الذي نفته المفوضية مراراً معتبرة أن الأمر كان خارج طاقتها بسبب متطلبات الشفافية في النتائج التي وعدت بها، بعض الكيانات السياسية العراقية من جهتها وجدت من وضع المفوضية الحرج أمام الرأي العام فرصة لإلقاء التهم بعملية تزوير يجرى التحضير لها داخل مراكز العد والفرز، وذلك من اجل رفع سقف مطالبها الانتخابية أمام المفوضية التي ما برحت أن تعقد المؤتمرات الصحفية الواحدة تلو الأخرى من أجل تبرئة نفسها وإفهام الآخرين انها لن تسمح بالتأثير على عملها، مستعينة في ذلك بشهود أممي ودولي لعملها، وبالنتيجة عندما جاء عمل المفوضية البطيء أمام الآخرين مع نتاج الموقف السياسي المضطرب أصبح مشهد لم تحسد عليه المفوضية حتى أثناء انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، مشهد قد لا يفهمه الآخرون بسهولة خصوصاً مع معرفة بعض الساسة اللعب على هذا الوتر شعبياً وسياسياً، مشهد لم تنجح المفوضية في إقناع الرأي العام الشعبي بحقيقة ما جرى ولم تنجح أيضاً في إسكات المتقولين عليها من بعض الساسة حتى ساعة التصديق على نتائج الانتخابات من المحكمة الاتحادية.
الراوي: المفوضية أصبحت الضحية الأولى لأعمال الأحزاب والمؤسسات بالدولة
لغرض تسليط الضوء على حقيقة عمل مفوضية الانتخابات وسط سيل من الزخم من الاتهامات ضدها والصراع السياسي الذي مرت به البلاد، حاورت مجلة الرائد سعد عبد العزيز الراوي عضو مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بالعراق، والذي أجاب عن أسئلتنا مشكوراً.
الرائد: وجهت انتقادات كثيرة بالتحيز في عمل المفوضية خلال العملية الانتخابية المنصرمة من قبل الساسة والنواب ،كيف تردون على هذا الأمر؟
الراوي: اعتقد أن رضى السياسيين غاية لا تدرك ولا يمكن إرضائهم، لا الفائز ولا الخاسر يرضى، والذين ينتقدون أداء المفوضية هم الفائزون الكبار، والمنظمات الدولية أنصفت أداء المفوضية ومنها الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوربي، ورئيس اللجنة القضائية في المفوضية أعلن: لا يمكن أن نجري انتخابات يكون الجميع فيها فائز، حيث لدينا أكثر من 5600 مرشح، وأنت لديك 325 مقعد، فحتى الخاسر في داخل القائمة الكبيرة الفائزة يتهمنا بتحويل أصواته لغيره من المرشحين ... فلا يمكن أن يرضى الجميع عنا.
الرائد: من يحكم العلاقة بين المفوضية وغيرها من الجهات مثل (المحكمة الاتحادية، المساءلة والعدالة) خصوصاً بعد الشد والجذب بين هذه الأطراف والمفوضية على خلفية استبعاد بعض المرشحين الفائزين بالانتخابات ؟
الراوي: في الحقيقة المفوضية أصبحت هي الضحية الأولى في أعمال الكيانات، الوزارات والمحاكم، حيث أي مرشح يجب أن يصل لنا موقفه من جهات عدة قبل البت بموقفه وأحقيته بالترشيح للبرلمان، ومن هذه الجهات المساءلة والعدالة والداخلية والدفاع والتربية والتعليم العالي، وبعض هذه الجهات في حال لم ترسل اعتراضاً على أي مرشح يعني الأمر بالنسبة للمفوضية موقف المرشح سليم، ويعتبر الأمر مصادقاً عليه، لكن من غير المعقول بعد إعلان النتائج تأتي لنا الاعتراضات من هذه الجهة أو تلك ... فأين كانوا قبل الإعلان عن النتائج، فمثلاً لدينا قضية د.عمر الكربولي عن القائمة العراقية جاء لنا الأمر بأنه متهم بتهمة، ونحن لدينا بالقانون المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فلذلك وضعناه ضمن الفائزين، ونحن نتساءل كيف ان الكربولي كان عضو مجلس نواب لأربع سنوات، فأين كانت هذه الجهة التي تتهمه بالتهمة من هذا الكلام! الآن وبعد أن أعلن فوزه يتم الاتهام، هذا غير ممكن ،مما جعل المفوضية في حيرة من أمرها بسبب موقف تلك الهيئات المتناقضة.
الرائد: لماذا لم تستعن المفوضية بالأمم المتحدة باعتبارها الجهة الأولى المشرفة على عملكم عندما أصبحتم ضحية حسب قولك؟
الراوي: لم نرد أن يتعقد الوضع أكثر في عملنا لنشرك الأمم المتحدة بالقرار، وكل الذي أردناه أن نعلن أن هناك فائزين وخاسرين في انتخابات عملنا على إنجاح صورتها، وما الاتهامات والشهادات المزورة وغيرها من الأمور نرى انها قضايا لا تنتهي، وان عملنا انتهى من المصادقة على أسماء الفائزين وفق آلية الاقتراع، والباقي تأخذ الهيئات دورها في تصحيحيه ان كان هناك قضية بحق أي مرشح.
الرائد: ما حقيقة السجال بين المفوضية وبعض الكيانات؟
الراوي: بسبب رغبة الجميع بالفوز بأي طريقة، بدأت سيل الضغوط علينا للمطالبة بإعادة العد يدوياً وقمنا بالأمر في مركز إدخال العد والفرز الالكتروني بعد القرار القضائي الخاص بذلك، ونحن قلنا للكيانات ان العد كان في محطات الاقتراع يدوياً ولم يكن بأي وسيلة أخرى، وبحضور مراقبي هذه الكيانات نفسها، والبالغ عددهم بعشرات الآلاف كما مسجل لدينا، إذن أين كان ممثلوكم عند العد والفرز؟ هذه الكيانات طالبتنا بإعادة العد في (16) دولة بالخارج، فهل يعقل أن ننفق ثلاثة مليارات دينار لأجل إعادة الفرز لربع مليون مهاجر بالخارج، وبالتالي فإننا لم ننفذ القرار جميعه، كون القرار نص على إعادة فرز النتائج للعام والخاص والخارج والتصويتات الأخرى والتي تشمل المستشفيات والمهجرين، وهذا غير عملي بالنسبة لنا فقمنا فقط بإعادة فرز النتائج للاقتراع العام دون الخاص وانتخابات الخارج، واعدنا فرز النتائج فقط دون الأوراق التصويتية للمحطات، لكن هذه الكيانات اعترضت علينا وطالبت بالإعادة للجميع فرفضنا، وان الهيئة القضائية التي اتخذت هذا القرار لم تستشرنا فنياً في إمكانية هذا الأمر، وبالتالي أوقعتنا في مأزق امام تلك الكيانات .
الرائد: لم تنفعكم الأموال الضخمة التي خصصت لكم لغرض الإسراع بالإعلان عن النتائج البرلمانية للشعب العراقي خلال أسبوعين، فقط كما وعدتم، بذلك، ما السبب؟
الراوي: عملنا وفق جدول ،حيث ان المفوضية كان لها خطة عمل لكل يوم ،واستمارة النتائج كانت في هذه الانتخابات تختلف عن انتخابات 2005، حيث كانت صفحة واحدة بالسابق، لكن في هذه الانتخابات أصبحت تسع صفحات لبغداد فقط، وستة عشر صفحة للمحافظات، وهذا لم يحصل عندنا سابقاً، والشيء الآخر هو عدم فهم السياسي ولمراقب الكيان لعملنا، أدى إلى تعقيد الوضع لدينا، فأعطيناهم في البداية أقراصاً بالجداول الأولية لم يقتنعوا، أدخلناهم لغرفة المراقبة للعد لم يقتنعوا، وبدأ كل مراقب يفسر ما شاهده على هواه، مما اضطرنا إلى أن نعيد الإدخال أكثر من مرة للمحطة بسبب كلام كبار الكيانات، هذا ساهم في تفاقم وتأخر وضع الإعلان عن النتائج .
الرائد: بصراحة هل صحيح ما ذكر إعلامياً من دخول حيدر العبادي عن دولة القانون لمقر إدخال المعلومات بالمفوضية وساهم في التلاعب بالنتائج؟
الراوي: المفوضية فتحت أبوابها للجميع، واستقبلت شخوصاً من جميع الكيانات ،وما حصل من دخول بعض الأشخاص يستحيل أن يغير من نتائج منطقة أو مدينة خلال ربع ساعة من زيارته للمركز، لان هناك سيرفر ومركز سيطرة مركزي في الإدارة، فأي تغيير سيلاحظ.
الرائد: باعتبارك عضواً في مفوضية تشرف على عملية التداول السلمي للسلطة بالبلاد، ما الذي يحتاجه العراق للوصول إلى ما يسمى بالديمقراطية؟
الراوي: بالرغم من كل هذه المشاكل التي نمر بها، فإننا نسير في بداية الطريق للوصول إلى الديمقراطية، وقد كان لنا حديث مع أحد المسؤولين الكبار لدولة أجنبية كبيرة، وطرحنا عليه هذا الموضوع وكنا مستائين وقتها، فابلغنا ان الديمقراطية في أوربا لم تترسخ إلا بعد عقود من الزمن، وفي أميركا ترسخت بعد أكثر من مئة عام، وهكذا لا يمكن أن تترسخ مفاهيم النزاهة الديمقراطية عند المواطن والسياسي في ظرف دورة أو دورتين انتخابية، وحالياً شيء عادي هذا الذي نراه من الصراع وذاك الجالس على الكرسي والمتشبث به كي لا يفقده، وفي الأخير أرى انه لا يصح إلا الصحيح.
الرائد: ما الجديد القادم في عمل المفوضية؟
الراوي: وضعنا خطة لدراسة انتخابات محافظات إقليم كردستان، فوفق القانون يجب أن تجرى هذه الانتخابات في الشهر العاشر من هذا العام، فبدأنا بالإعداد للمطلوب من الخطط ومقدار الأموال لهذه الانتخابات.
الرائد: أين أصبحت انتخابات الاقضية والنواحي إذن؟
الراوي: هذا الأمر يحسمه موضوع التعداد السكاني، فكل الذي لدينا الآن هو إحصائيات على مستوى المحافظات من ناحية عدد الناخبين الموجودين، لكن ليس لدينا معلومات عن أعداد الناخبين لكل قضاء وناحية، والجهات المعنية أصدرت القانون دون الرجوع للمفوضية كون القانون ينص على إجراء انتخابات الاقضية والنواحي بعد ستة أشهر من تاريخ إجراء انتخابات مجالس المحافظات، والآن مضى أكثر من سنة ونصف ولم تجرى هذه الانتخابات بسبب عدم فهم الآلية الفنية من تلك الجهات المشرعة لهذا القانون، وفي حالة إجراء التعداد السكاني نهاية هذا العام سيتم العمل على تحديد موعد لانتخابات الاقضية والنواحي.
ختام المقام
هكذا بدا لنا مشهد المفوضية من خلال أهم الأحداث التي مرت بها، وهي الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ومن خلال رأي المفوضية نفسها، مشهد قد يحتاج من المفوضية أولاً تدارك ما مرت به من عقبات حالية في اقرب انتخابات قادمة وهي انتخابات الاقضية والنواحي التي ستختم الخارطة السياسية للعراق بعد انتخابات مجالس المحافظات وانتخابات مجلس النواب،وثانياً يحتاج الأمر كذلك من الساسة العراقيين الارتقاء بمسألة فهمهم للشفافية التي يطالبون بها من الآخرين على الملأ وتقبل نتائجها عندما تأتي بقرار ابعادهم شعبياً من أجل أن لا يكرروا ما اتهموا به من سبقهم قبل الاحتلال!